ابن أبي الحديد

123

شرح نهج البلاغة

فإن أك قد أحببتكم ورأيتكم * فإني بداري عامر لغريب ( 1 ) قال : وأشرف علي رجل فقلت : يا عبد الله ، أسقني ماء ، فقال : لا والله ، حتى تعطيني ثمنه ، قلت : وما ثمنه ! قال : ديتك ، قلت : أما ترى عليك من الحق أن تقري الضيف ، فتطعمه وتسقيه ! قال : ربما فعلنا وربما بخلنا ، قال : فقلت : والله ما أراك فعلت خيرا قط ، أسقني ، قال : ما أطيق ، قلت : فإني أحسن إليك وأكسوك ، قال : لا والله لا أنقص شربة من مائة دينار ، فقلت له : ويحك ! اسقني ، فقال : ويحك ! أعطني ، قلت : لا والله ما هي معي ، ولكنك تسقيني ، ثم تنطلق معي أعطيكها ، قال : لا والله ، قلت : اسقني وأرهنك فرسي حتى أوفيكها ، قال : نعم ، ثم خرج بين يدي واتبعته ، فأشرفنا على أخبية وناس على ماء ، فقال لي : مكانك حتى آتيك ، فقلت : بل أجئ معك ، قال : وساءه حيث رأيت الناس والماء ، فذهب يشتد حتى دخل بيتا ، ثم جاء بماء في إناء ، فقال : اشرب ، فقلت : لا حاجة لي فيه ، ثم دنوت من القوم ، فقلت : أسقوني ماء ، فقال شيخ لابنته : اسقيه ، فقامت ابنته فجاءت بماء ولبن ، فقال ذلك الرجل : نجيتك من العطش ، وتذهب بحقي ! والله لا أفارقك حتى أستوفي منك حقي ، فقلت : إجلس حتى أوفيك . فجلس ، فنزلت فأخذت الماء واللبن من يد الفتاة ، فشربت واجتمع إلي أهل الماء ، فقلت لهم : هذا ألام الناس ! فعل بي كذا وكذا ! وهذا الشيخ خير منه وأسدى ، استسقيته فلم يكلمني وأمر ابنته فسقتني ، وهو الآن يلزمني بمائة دينار . فشتمه أهل الحي ، ووقعوا به ، ولم يكن بأسرع من أن لحقني قوم من أصحابي ، فسلموا علي بالإمرة ، فارتاب الرجل وجزع ، وذهب يريد أن يقوم ، فقلت : والله لا تبرح حتى أوفيك المائة ، فجلس ما يدري ما الذي أريد به ! فلما كثر جندي عندي سرحت إلي ثقلي ( 2 ) ، فأتيت به ، ثم أمرت بالرجل فجلد مائة جلده ، ودعوت الشيخ وابنته فأمرت لهما بمائة دينار وكسوتهما ، وكسوت أهل الماء

--> ( 1 ) داري : واد لبني عامر . القاموس . ( 2 ) الثقل : متاع المسافر .